جديد المقالات






جديد الصور

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

06-02-2008 02:37 AM

حين قَيَّدَ سواد الجحود معصميه.. حين أدمت قلبه حراب الوحدة.. حين أوشك جسده أن يتناثر تحملاً.. وروحه التي ملَّ الصبر من صبرها.. ذاك الصبر الذي رفع رايته البيضاء معلناً استسلامه أمام روحٍ حملت من الآلام ما يبين عظمة الخالق وقدرته أن تحمل ما تنوء بحمله الشامخات الصم.. حين اقتربت تلك الروح من حِمَى النسيان.. وحين بدأ الدم في عروقه يدب بطيئاً رويداً رويداً متجهاً نحو عقله الذي حاول معه مراراً أن يهادنه ليحيا كالبقية.. إلا أنه يخاطبه دوماً: لا هدنة.. لا اتفاق.. لا هجوع.. لا تحاول.
عند كل هذا.. وبعد كل هذا.. تذكّره مَن تذكّره رحمة من اللّه وكرماً ليس إلا.. نقلوه وقيوده تئن شاكية والحراب تنزف باكية.. نقلوه ليس إلى ظلٍّ ونهر.. إلى جحيمٍ وسعر.. تركوه هرباً لعلهم يظفرون بغيره يأتون به ليستأنس هنا حيث خطايا البشر.. التف من حوله زبانية كالشرر.. قيدوا في سجله ما ينادونه به.. فصيلة دمه التي عجزت أجهزتهم عن تحديدها.. وعمره الذي أبلغهم به.. ما استطاع أحد من الزبانية أن يحسبه.. قال لهم كل شعرة بيضاء فوق رأسي تعادل سنة هجرية.. لم يضعوا أمامهم شيئاً.. ألبسوه ثوباً أزرق جاء فوق جسده كخيمة نصبها على عجلٍ.. من لم ير الخيمة إلا في صورة التقطها - من بُعدٍ - شبه كفيف.. ساروا به إلى سريرٍ يضحك من غباء الزبانية.. ويبكي لأناتٍ تنشد حريتها من هذا المكان القابع في غياهب الجهل.. عزلة ووحشة.. أشار بعض من الزبانية إلى أن هذا السرير يخصه.. وعليه عدم مغادرته إلا بإذنٍ من أحدهم.. جلس على سريره.. غادر الزبانية جميعاً.. استبقوا أحدهم.. وقف كالصنم عند باب الغرفة الكبيرة من الداخل المكتظة بأجسادٍ هزيلة فوق الأسِرَّة الضاحكة الباكية.. جلس يقلب طرفه في وجوههم الشاحبة.. لا حراك بها.. وتارة يمد نظره إلى ذلك الصنم الضخم محاولاً الربط بينه وبينهم دون فائدة.. من باب الصدفة كان سريره أسفل النافذة السوداء الوحيدة في الغرفة الكبيرة الكائنة في الطابق الثالث من مبنى الألم.. ارتد بنظره إلى ثوبه الأزرق.. ضحك من اتساعه.. تمنى أن تكون معه بداخله حوريته الذهبية التي تزوره حين يهبط النوم على عينيه.. وتفارقه حال إفاقتهما.. بينما هو يداعب حوريته شارداً بذهنه مع طيفها.. فجأة.. وأي فجأة.. وهول.. وأي هول.. يمر أمامه خيال متجاوزاً جسمه الممدد فوق سريره ليرتطم بالنافذة الوحيدة سريعاً جداً.. تغيّر وانقلب كل شيء داخل الغرفة.. هرع ذاك الصنم المنتصب تجاه النافذة ممسكاً بالمرتطم بعد أن أعاده زجاج النافذة السميك إلى الداخل.. بينما ظلت أجساد من على الأسِرَّة صامتة مستقرة كأن لم يحدث أي ضجيج.. وسريعاً جداً.. كان الصنم ومعه الكثير من الزبانية يفترشون المرتطم؛ حتى يكاد الناظر يجزم بأن لا شيء تحتهم.. حملوه خارجاً بين صراخه الذي ضج ألماً معانقاً فضاء السماء.. ومدوياً في سمع الزمان.. يستصرخ رحمة ولطفاً.
ما كان هذا رباه.. إلهي.. أي بطشٍ نظرتُ إليه.. ظل يجوب الغرفة كالملدوغ وحيداً في صحراءٍ جرداء يسأل: من على الأسِرَّة؟.. ما الأمر؟.. ما كان ذلك؟.. لا أحد يجيب.. ينظر إليهم مطرقي رؤوسهم كالتماثيل.. بعد ساعة من انتظاره يدخل إلى الغرفة ذاك الصنم.. يتلقاه كالغريق.. يسأله عما كان يلح عليه.. ينشده باللّه.. ككتلة ثلجية يجيبه الصنم.. ذلك المرتطم بالنافذة يحاول الانتحار كلما سنحت له الفرصة ليذهب إلى النار جزاء موت أمه وزوجته معه في حادث سيرٍ.. فهو يرى أنه المتسبب في موتهما.. هذا كل شيء.. وإن كنت تريد المزيد فاسمه سعد.. واسم أبيه.. يقاطعه شاكراً له إجابته ومستنتجاً أنه مخلوق أرضي حينما حرّك شفتيه الغليظتين وتنفّس.. بعد أن كان يظنه جهازاً مبرمجاً. ابتعد عنه محملقاً في باب الغرفة ينتظر متى يرجع الزبانية بسعد.. لحظات يسيرة وإذا بهم يأتون به نحو سريره.. صامتاً هادئاً يضعونه فوق سريره.. يمدون على جسده المنهك غطاءً رمادياً.. ثم يخرجون تباعاً. قفز من سريره مذعوراً.. راح يسأل من جديد الواقف عند باب الغرفة: ماذا فعلوا بسعد؟.. أجابه وهو مستغرب من حرصه الشديد على سعد: كالعادة حينما تزداد حالته سوءاً يعرضونه لصدمة كهربائية ثم يعيدونه هنا.. رجع متجهاً إلى سرير سعد وجده مرهقاً بائساً.. وضع يده فوق جبينه.. مسح على رأسه بينما يده الأخرى أفردها على صدر سعد.. نزل بها نحو يده اليسرى شاداً بقوة على كف سعد المرتجف.. عندما أرخى كفه فتح سعد عينيه.. نظر إلى وجه هذا الغريب.. استنكره.. حاول القعود.. ساعده على ذلك.. نزلت دمعة من عينه ليست كالدموع.. وسعد ينظر إليه دون أن يقول شيئاً.. فقد لمح سعد بسرعةٍ في وجه هذا الغريب واحة من أمان.. وراحة لامست بقوةٍ أعماقه.. أطلق يده من يد سعد.. رجع إلى سريره.. ظل ينتظر طلوع الصباح؛ حيث تُخرج الزبانية مَنْ على الأسِرَّة خارج سجنهم في حديقة المبنى السفلية ساعة من زمن ليتفرجون على رواد المبنى ويتفرج الرواد عليهم.. كعادته يجلس سعد وحيداً تحت ظل شجرة معمرة.. وقريباً منه عيون أحد الزبانية تراقبه مراقبة جارحٍ لفريسته. كان ذاك الغريب يراقب سعد عن كثبٍ.. سار إليه.. جلس بجانبه.. حاول محادثته.. ألقى عليه جُملاً مضحكة.. لكنه ظل صامتاً.. نظر الغريب إلى جذع الشجرة.. خاطبها سبحان المصوّر.. ما أجملها من شجرة باسقة شامخة متدلية الأغصان خضراء يانعة تسر الناظر.. فكيف إذن بأشجار الجنة.. عندما نطق الغريب بكلمة الجنة كأن شيئاً ألقي في رأس سعد وبين ضلوعه؛ إذ أمسك بيد الغريب يتمتم مضطرباً: الجنة.. جنة.. أشجار الجنة.. أين الجنة.. النار.. نار.. أذهب إلى النار.. متى أذهب.. نار.. نار. حين بدأ صوت سعد بالعلو أتاهما كل زبانية المبنى.. حاولوا أخذه بعد توسلات الغريب وقسمه باللّه أن لم يحصل شيء يستدعي أخذ سعد.. وأن وقت الرجوع إلى الغرفة ظل منه نصفه.. بعد أن وافق كبير الزبانية على بقاء سعد لاحظ الغريب أن سعد صار يقترب منه أكثر حتى التصق جانبه بجانب الغريب.. مد سعد يده المرتجفة إلى يد الغريب يشدها.. سأله عن الجنة.. وعن النار.. وهل سيذهب إذا ما نجح في الانتحار إلى النار جزاء فعلته.. لم يجبه الغريب في الحال.. بل همس في أذن سعد: ما رأيك أن نذهب إلى ذلك البائع في آخر الحديقة لنتناول بعضاً من الشاي أو ما تختاره أنت.
تردد سعد.. لكن اشتراط الغريب عليه بأن يجيب عن أسئلته هناك بث في روح سعد الحماس بالذهاب.. اتجها معاً نحو البائع.. اختار سعد له وللغريب كأسين من الشاي الممزوج بالحليب.. سارا يتجولان حول محيط الحديقة.. يرتشفان مشروبهما.. طلب سعد من الغريب الإجابة عن أسئلته.. رد عليه: حسناً يا صاحبي.. ليس عليك التفكير في الجنة أو النار لذاتهما.. بل إن الإنسان المسلم يفكر في كيفية دخوله الجنة ونجاته من النار بعد رحمة اللّه ومشيئته.. وذلك بالقيام بالواجبات والبعد عن المنهيات.. واضعاً نصب عينيه أن اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملاً. عاد سعد يستفسر عن تسببه في موت أمه وزوجته: أليس ذلك مما يُدخل النار لأكفّر عن خطيئتي؟ أجابه الغريب: من قال لك يا صاحبي بأنك السبب في موتهما؟ هل أمسكت بآلة حادة وصوبتها تجاه أمك وزوجتك قاصداً موتهما؟ إنما كان كله يرجع إلى تقدير الله ومشيئته.. وأنه قد كُتب ما حدث لكم قبل وجودكم.. رُفعت الأقلام وجفت الصحف.. فليكن ظنك باللّه حسناً.. وأكثر من الدعاء لأمك وزوجتك؛ فهما عند من رحمته سبقت غضبه.. تعالى في عليائه.
ما كاد الغريب ينهي كلامه حتى توقفت خطى سعد مستديراً ليعانق الغريب.. يضمه إلى صدره بكل ما أوتي من قوة.. وقتها كان الزبانية يسوقون أصحاب الثياب الزرقاء نحو الأعلى.. بدأ سعد بالتحسن التدريجي.. ذات يوم استدعي الغريب إلى غرفة أخرى.. لحظة أن دخلها وجد أربعة من أصحاب الأردية البيضاء.. سألوه عن سعد.. ماذا كان يقول له كلما خرجا إلى الحديقة حتى بدأت حالته تتحسن.. أجابهم: لا شيء سوى إجابته عن أسئلته.. غادر الغرفة راجعاً إلى سريره.. استلقى عليه.. رأى سعد نائماً.. نهض إليه.. اقترب منه.. سمعه يتمتم: أمي.. زوجتي.. سعد الغريب.. الجنة.. الجنة.. شعر خلالها الغريب بنشوةٍ وارتياحٍ لو قُسّمت على اليائسين في الأرض لكفتهم أن ينبت الأمل في صدورهم من جديد.. جلس بجانبه قليلا.. ثم نهض متجهاً نحو النافذة.. تلمَّسها.. حَمِدَ اللّه كثيراً بأن زجاجها سميك.. كانت عقارب الساعة تزحف ببطءٍ شديد نحو الثانية عشرة ليلاً.. عاد إلى سريره.. راح يسرح بتفكيره في الحياة.. استيقظ قبيل الفجر.. توضأ.. أخذ سجادة من فوق طاولة في أقصى الغرفة.. دعا اللّه كثيراً كثيراً.. لم ينسَ أن يوقظ سعد للصلاة معه؛ فقد كرر محاولة إيقاظه.. لكن سعد كان كمن نام داخل الكهف سنين عدداً.. عند انبلاج شمس يومٍ جديد بدأت ممرات المبنى بالنهوض.. نهض سعد صارخاً بعنفٍ.. لكنه لم يتجه نحو النافذة.. رمق باب الغرفة.. لم يجد كالمعتاد أحد الزبانية عنده.. أسرع نحوه.. فتحه.. خرج مهرولاً في ممر الطابق الثالث وهو يردد: لن أدخل النار.. لحق به الغريب.. ومن خلفه زبانية المبنى.. أمسكوا به في نهاية الممر.. نزلوا به إلى الأسفل.. سألهم الغريب: إلى أين تذهبون به؟ ألن تعودوا به إلى الغرفة؟.. رد عليه أحد الزبانية ناهراً: هل أنت من بقية أهله؟.. من الأفضل أن تعود إلى سريرك.. ودع سعد لنا. رجع للغرفة خائفاً يترقب.. عند حلول صلاة الظهر لم يعد سعد.. عاد الزبانية فقط.. سألهم: أين هو؟.. لم يجبه أحد.. خرج من الغرفة غصباً على رغم محاولة منعه من كبير الزبانية.. ذهب إلى غرفة يعرفها جيداً.. طرق بابها.. دخل ليسأل صاحب الرداء الأبيض الجالس فوق كرسي وثير: أين سعد؟ أين سعد؟ إلى أين أخذوه؟ هل تفيدني؟.. رفع صاحب الرداء الأبيض رأسه: من أنت؟ هل يمت لك سعد بصلة قرابة؟.. على كل حال لن أطيل معك.. مهما كنت لقد ذهبوا بسعد إلى مبنى بعيد مرفوعاً عن الداخل إليه التكليف.. صُعِقَ الغريب.. خرج والدم يغلي في عروقه.
دخل الغرفة الكبيرة.. اتجه صوب سريره.. وضع حاجاته داخل حقيبته الجلدية الصغيرة.. أغلقها.. ثم عاد لفتحها؛ ليضع فيها كتاباً شعرياً نسيه فوق طاولة بجانب سريره.. فخرج متجهاً نحو أسفل المبنى المقفر عاطفة.. عند مكان الاستقبال تناول سماعة هاتفٍ معلقٍ في الجدار.. تحدث مع طرفٍ آخر طالباً منه الحضور إلى هنا على وجه السرعة.. ثم اتجه لغرفة أمام مكان الاستقبال.. تكلم مع من بداخلها.. ثم خرج وبيده ورقة تسمح بخروجه نهائياً خارج المبنى المعتقل.. انتظر من سيجيء لأخذه.. حين حضر ركب معه طالباً منه التوجه به إلى منزله؛ فقد طال اشتياقه لصغيرته التي تقطنه لا إليه كمبنى.. لا يختلف كثيراً عن المبنى الذي غادره. مضت السنين به متقلباً به الزمن من حالٍ إلى حال.. وعلى رغم مرور عشر سنوات على مفارقته ذاك المبنى العقيم الذي نسيه أو حاول نسيانه إلا أن سعد ونافذته ظلا صدى يتردد في ذاكرته لاعناً غدر الدنيا وقسوة الزبانية.

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1478


خدمات المحتوى


التعليقات
#24 Saudi Arabia [ابو عبدالله]
1.00/5 (10 صوت)

03-12-2009 12:15 AM
الأخ الكريم ابو تميم ايه ((((( الغريب ))))))))

قصة جميلة لو لم تكن انت من رواها لم اصدقها

______________

كم شكيت من الدهر وفراق خلي ومرضي يزداد عله فوق عله


محمد عبدالعزيز الشبانة
تقييم
2.01/10 (227 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشبانة 2012