جديد المقالات






جديد الصور

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

04-04-2010 07:27 PM


يظلُّ قطاعٌ عريض من بني قومنا مبتوتي الصلةِ بمصدر عزِّهم وقوَّتِهم، وهو القرآن الكريم، كلام الله - جل جلاله - الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا مِن خلفِه، فهم لا يقرؤونه، فضلاً عن تدبُّره، وفقه مدلولاته ومعانيه؛ ولذا تجدهم يتخبَّطون في حياتهم، ويعيشون الحيرة والتِّيه، وينطلقون من بؤرة ظلامٍ إلى أخرى، سواء في حياتهم الخاصة، أو حياتهم العامة؛ لأنهم حَرَمُوا أنفسَهم من أنوار القرآن، وهدْي القرآن، وبركة القرآن.

خذْ مثلاً جانبَ علاقة الفرد المسلم والأمَّة المسلمة، بأعداء الإسلام المتربِّصين به وبأهله الدوائرَ، وانظر كيف هي علاقة الكثير من المسلمين بأولئك.

هل يَحكمها القرآنُ وتعاليم القرآن، وآياتُ القرآن وأحكام القرآن؟

هل ينظر الكثيرُ من المسلمين إلى مَن ينابذهم العَداءَ مِن يهود ونصارى، وهنادكةٍ ووثنيين - النظرةَ التي قرَّرها القرآن الكريم؟ وهل يحتكمون في ذلك إلى القرآن الكريم وأحكامه؟

أو يعيشون في وادٍ، وتلك الأحكام في وادٍ آخر؟

إن واقع الدول المنتسبة إلى الإسلام واقعٌ كئيب؛ بل هو غاية في الكآبة؛ نتيجةَ ذلك الانقطاع في علاقتها بالقرآن، وصدورها عنه، واحتكامها إليه، فقد بَنَتْ سياستَها على النقيض من أحكامه، وكذلك بنتْ اقتصادَها ونُظُمَها كلَّها، بما فيها نظامها الاجتماعي، فباءتْ بفشلٍ ذريع، ومُنِيَتْ بانتكاسات لا حدَّ لها، وأصبحتْ كالمُنْبَتِّ؛ لا أرضًا قَطَعَ، ولا ظهرًا أبقى.

وتعالَ بنا - أخي القارئ - نستعرض صورةً واحدة فقط من صور ذلك الواقعِ الهزيل لأمَّتِنا المنكوبة المبتلاة، تتمثَّلُ في الفرح الشديد بأدنى كلمةٍ يتفضَّلُ بهاعلينا أحدُ جلاَّدينا من الغربيين أو الشرقيين، الذين أحكَمُوا قبضتَهم على أمَّتِنا، وراحوا يتفنَّنُون في تعذيبها، وإيذائها، وإهانتها، فإذا ضحك أحدُهم علينا بكلمة باردةٍ تافهة، هلَّلْنا لها، وفرِحْنا بها، وشكرْناه عليها، وكأنه بها أعاد إلينا حقًّا، أو نكأ لنا عدوًّا.

ألم ترَوْا وتسمعُوا كيف كنَّا ننتظر خطاب أوباما؟! ثم كيف فرحْنا به، وعقدْنا لمناقشته الندوات، وأقمْنا المحاضرات، وأنتجْنا عشراتِ البرامج والمقابلات، وكأنه به قد أعاد إلينا القدسَ، وأزال عنَّا الاحتلال، وحلَّ كلَّ مشكلاتنا؟!

لماذا كلُّ ذلك؟! لأننا ساذجون، بلغْنا من المهانة والذِّلَّة حدًّا غير معقول ولا مقبول، وإلا فماذا أضاف إلينا أوباما وخطابُه؟! وماذا قدَّم لنا غيرَ الكلام المعسول، الذي لا يعطي حقًّا، ولا يمنع باطلاً؟! بل قد كرَّر فيه دعمَه لعدوِّنا، وإصراره على ضمان أمْنه، وأن علاقة بلاده بذلك العدو أمرٌ غير قابل للانكسار، ومع ذلك هلَّلَ المهلِّلون لذلك الخطاب، وطبَّل له المطبِّلون، وما زالت أصداؤه تتردَّدُ في أرجائنا وأنحاء بلادنا الإسلامية دون وعيٍ أو تفكير!
لقد وضع القرآنُ الكريم قواعدَ كليةً لعلاقاتنا بأعدائنا، ينبغي أن ننطلق منها، ونحتكمَ إليها؛ كقوله - جل شأنه -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51].

فهذا نصٌّ مُحْكَمٌ، قطعيُّ الدلالةِ والثُّبوت، ليس نظريةً قابلة للنقض، وليس كلامَ مخلوقٍ قابلاً للصدق أو الكذب، فلماذا لا ننطلق في علاقاتنا بهم من هذه القاعدةِ القرآنية ومثيلاتِها إن كنا مؤمنين حقًّا بهذا القرآن؟! لماذا نصدِّقُ كلَّ ما يقولون، ونثقُ بكل ما يَعِدُون، ونطمئنُّ إلى كل ما يفعلون؟! في الوقت الذي يحذِّرنا القرآنُ الكريم من الركونِ إليهم، والاطمئنانِ إلى أفعالهم، والتصديقِ بأقوالهم؛ {يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8]، {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 119، 120].

إن الحقيقة الكبرى التي يجهلها معظمُ المسلمين، ويتعامى عنها الكثيرُ من قادة الفكر والرأي والسياسة فيهم - أن يهود هذا الزمان ونَصَارَاهُ امتدادٌ طبيعي ليهود زمان تنزُّلِ القرآن ونصاراه؛ فالعَداءُ واحدٌ لم يتغير ولم يتبدَّل، وشواهدُ التاريخ القريب والمعاصر تؤكِّد هذه الحقيقةَ الدامغة وتثبتها بما لا يدع مجالاً للشكِّ، وماذا يعدِّد المرءُ من تلك الشواهدِ التاريخية؟! إنها أكثرُ من أن تُعَدَّ أو تحصى!

وننتهي من خطاب أوباما، ليطل علينا خطابُ نتنياهو، هذا الزعيم اليهودي المتشدِّد، حسبما يصفه ساستُنا ومثقَّفونا، وهل في اليهود أحد غير متشدِّدٍ؟!
كلُّهم متشددون في التمسُّكِ بما يعتقدونه حقًّا ثابتًا لهم، لا يتزحزحون عنه قِيدَ أنملة؛ لكنهم يتقاسمون الأدوار بعد أن خَبَرُونا، وعَلِمُوا بقطْعِ صِلَتِنا بمصدر عزِّنا، ورأَوْا مَظاهرَ ضعْفِنا التي أغرَتْهم بنا، فاستغلُّوا ضعْفَنا للتَّظاهُرِ بالقوة، وإلا فقدْ وصفهم لنا ربُّنا وربُّهم، الخبير بهم، الذي خلقهم وهو العليم بهم؛ فقال - سبحانه - في وصف أسلافهم: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14].

أجلْ، إنهم كلهم متشددون، رافضون لحقِّنا؛ لكن بعضهم يَلبس قُفَّازًا ناعمًا؛ ليخدعنا به، والبعض الآخر لا يلبس ذلك القفازَ، هذا كلُّ ما في الأمر.

والشيء نفسه يقال عن الغربيين، فهم كلهم ذوو نظرةٍ واحدة إلينا، وذوو سياسة واحدة في التعامُلِ معنا، قِوامُها النظرُ إلينا بدونيَّةٍ شديدة، فهم يعتقدون أن معيار الأفضلية هو القوة المادية، وما دمنا نفتقد تلك القوةَ، فإن علينا أن نعيش أتباعًا؛ لا نصنع قرارًا، ولا نُستأذن في صنع قرار؛ لينطبق علينا قولُ شاعرنا القديم:



وَيُقْضَى الأَمْرُ حِينَ تَغِيبُ تَيْمٌ وَلاَ يُسْتَأْذَنُونَ وَهُمْ شُهُودُ




تلك هي نظرة كلِّ الرؤساء الأمريكيين سابقًا ولاحقًا، بما فيهم أوباما هذا، الذي استطاع بقفازه الناعم الذي لَبِسَه، فظنَّ بعضُنا أن نعومته التي أحسسناها هي نعومة مبادئ أو أفكار، وليس الأمرُ كذلك أبدًا؛ فالأفكارُ هي الأفكار، والمبادئُ هي المبادئ؛ وإنما التغيير في الأساليب لا غير، فبوش أدَّى دوره بلا قناع ولا قفاز، وأوباما يؤدِّي الدور نفسه، ولكن بقناع وقفاز، فهل نعي هذه الحقيقةَ؟ وهل ندرك هذا الأمرَ قبل فوات الأوان، إن لم يكن قد فات فعلاً؟

ولعل من الأدلة على صحَّةِ هذه الحقيقة وثبوتها: ما صَدَمَنا به أوباما كردِّ فعلٍ على خطاب صِنْوِه نتنياهو، حيث صرح المتحدِّثُ باسم البيت الأبيض في أول تعليق على الخطاب \"بأن موافقته – أي: نتنياهو - على قيام دولة فلسطينية خطوةٌ مهمة إلى الأمام\"، وأضاف قائلاً: \"يرحب الرئيس أوباما بالخطوة المهمة إلى الأمام في خطاب نتنياهو\".

سبحان الله! خطوة مهمة، ويرحب بها، وهي لا تعدو أن تكون استخفافًا بنا نحن العربَ، والمسلمين عامة، والفلسطينيين خاصة، وإنكارًا لحقوقنا الثابتة المُعتدَى عليها من قِبَلِ اليهود الغاصبين، وتكريسًا لاحتلالهم مقدَّساتِنا، وبطشهم بإخوتنا فيها؟!

فقد رَفَضَ حقَّ عودة اللاجئين، وتجاهَلَ قضيةَ الاستيطان، ولم يسمح للفلسطينيين إلا بدويلة هزيلة، منزوعة السيادة والسلاح، إنه يريدها محميةً إسرائيلية ليس إلا، لا تتحكَّم بأجوائها، ولا تملك حقَّ الدفاع عن نفسها، كما أنه أكَّد أن القدس ستبقى عاصمةً موحدة لإسرائيل، فهو بذلك كله يناقض ما يراه المجتمعُ الدولي بأكمله، وفي مقدمته أمريكا، التي صرَّح رئيسُها أوباما بأنه لا حلَّ إلا بقيام دولتين متكافئتين، وأن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المقترحة، وأنه لا بد من عودة اللاجئين الفلسطينيين، ولا بد أيضًا من وقفِ الاستيطان.

هذه مواقفُ أمريكيةٌ رسمية معلَنة يتبنَّاها أوباما، فكيف يرحب بخطاب النتن ياهو، وقد تجاهَلَها كلَّها، وتنكَّر لها ورفضها، لولا أن الأمر في نظر أوباما لا يتعدَّى الكلامَ إلى الفعل، ولا يتجاوز التنظيرَ إلى التطبيق؟! مما يؤكِّد ما هو متقرر معلوم، من كون عدائهم لنا ثابتًا مركوزًا في فِطَرِهم، يشربونه مع حليب أمهاتهم، وينشؤون عليه منذ نعومة أظفارهم، ومهما حاول بعضُ دَهَاقِنَتِهم إلانةَ ملمسه، وإرضاءنا ببعض الكلمات الجوفاء، إلا أن الحقيقة تأبى إلا أن تظهر على فلتات الألسن بين الحين والحين.

إن علينا ألاَّ ننخدع بأعدائنا، وإن لَبِسُوا لنا مسوحَ الضأن، ولطَّفوا في عباراتهم، ودغدغوا بها مشاعرَنا؛ فما هي إلا سرابٌ بِقِيعَةٍ يحسبه الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءه لم يَجدْه شيئًا، فها هو أوباما (المعتدل، المثقف، القريب من العالم الإسلامي، في نظر البعض) يوافق نتنياهو على تطرُّفه وصلفه واحتلاله، ويرحِّب بما قاله في خطابه، وهو كلُّه ضدنا، وضد قضيتنا، وضد مصالحنا، فكيف نوفِّق بين أمرين متناقضين: أمرِ اعتدالِه وإنصافِه وقُرْبِه منا، وأمرِ وقوفه في خندق عدوِّنا، وإقرارِه له، ورضاه عن خطابه، وترحيبِه به، وعدمِ إنكاره لموقفه الرافض لحقوقنا، المتنكِّر لاتِّفاقيات أسلافه معنا؟!

لا مجال للتوفيق مطلقًا؛ فهما أمرانِ مختلفان، ومتضادان، ومتناقضان تمامًا، نخرج منهما بدرس عمليٍّ، هو بالنسبة لنا ليس جديدًا، لكننا نذكِّر به المغرقين في التفاؤل، المتابعين للخطابات، المعوِّلين عليها، فحْواهُ أن كل ساسة الغرب داعمون رئيسون لإسرائيل واليهود بالفعل، والمال، والقرار قبل القول؛ لكنهم حين علموا أن القول يَكفينا، وأن الوعود تُرضينا، صاروا يلاطفوننا أحيانًا ببعض الكلام البارد، فيمتصُّون غضبَنا، ويطيلون أمد احتلال أرضنا، ولسانُ حالهم يقول: وماذا يضرُّنا الكلامُ الذي لا يقدِّم ولا يؤخِّر؟! أعطوا العربَ والمسلمين كلامًا، وأعطوا إسرائيل واليهود أفعالاً ودعمًا، وتسليحًا وتمويلاً؛ فالمسلمون والعرب يرضيهم الكلامُ المجرد، فيهلِّلون له ويفرحون به حد الانتشاء، أما اليهود فلا يرضيهم إلا الفعلُ والدعم والتأييد، فأعطوهم ما يرضيهم كذلك، وتلك عقيدة غربية ليستْ بخافية، يعلنونها صباحَ مساءَ في مؤتمراتهم وفي لقاءاتهم؛ بل ويكررونها أمامنا في ديارنا التي يَجوسون خلالها صباح مساء بلا حياءٍ ولا خجل، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1961


خدمات المحتوى


الشيخ عبدالله بن حمد الشبانة
الشيخ عبدالله بن حمد الشبانة

تقييم
1.03/10 (383 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشبانة 2012